ساسي سالم الحاج
74
نقد الخطاب الاستشراقي
إعادة الحياة إلى الأموات يوم الحساب الأخير الذي سيجازون فيه طبقا لما قدمت أيديهم في حياتهم الدنيا . وهذه النظرة الشاملة العميقة إلى الكون والحياة كانت أسمى من ثقافة وعقليات الوثنية العربية وصغار آلهتهم المتعددين . فاللّه أراد أن يعرف وأن تعلم إرادته ومن هنا كان إرساله الرسل إلى الجماعات البشرية لهدايتهم إلى الطريق القويم ولمعرفة مكانته السامية على جميع الكائنات . فهذا آدم قد تلقى ذات الرسالة التي تتابعت في ذريته من نوح إلى إبراهيم الذي رآه الرسول أنه أبو العرب واليهود على حدّ سواء . ثم تتابعت الرسالات في بني إسرائيل من بني يعقوب إلى يوسف إلى موسى الذي بعث بالتحديد إلى بني إسرائيل . وهكذا تتابع هؤلاء الأنبياء واشتهروا بما حققوه من عظيم الأعمال كداود الذي تغلب على جالوت ، وسليمان الذي سخر له اللّه الإنس والجن لخدمته ، ولوط الّذي عارض « السدوميين » وآخرين يطول المقام بذكرهم . وهؤلاء النصارى يتحدثون عن المسيح الذي صيّروه « ابن اللّه » بل « اللّه ذاته » . ومع ذلك فهم قد تنازعوا بعنف وضراوة ومرارة على طبيعته التي تتأرجح لديهم بين الطبيعة البشرية والطبيعة الإلهية ، ولكنه هو الآخر نبيّ ورسول محمل بإنجيل لهداية الناس ، وقد انقسمت الآراء حوله انقساما شديدا إلى يوم الناس هذا . يضاف إلى هؤلاء الرسل والأنبياء الذين نشئوا وترعرعوا في الشرق ظهور أنبياء آخرين ك « ماني » البابلي الذي أسس الديانة « المانوية » ؛ التي ترجع في أساسها إلى أفكار بعض الطوائف المسيحية المنشقة ذات المنبع الغنوصي . وظهرت إلى جانب ذلك « الزرادشتية » في فارس و « البوذية » في الهند ، ولم يكن العرب في جزيرتهم بغافلين عن هذه الأخبار المشوبة بالأساطير والأفكار المزيفة ، والتعاليم الدينية المحرفة ، مع ما يشاهدونه من آثار الأقوام البائدة وهم في طريق تجارتهم والذين قيل عنهم : إنهم عصوا رسل ربهم فحاق بهم ما يشاهدونه من أطلال بقايا مدنهم وحضارتهم . هذه الأحداث والأخبار المشوبة بالحقيقة تارة وبالخيال في أغلب الأحيان تارة أخرى كانت مدعاة للتفكير والتأمل لدى العرب وخاصة « محمدا » . فهم يرون أن هؤلاء اليهود والنصارى تساندهم قوى كبرى عالمية ، ومحاطون بتنظيمات قوية غنية ، وادعاءاتهم مبنية على كتب مقدسة منزلة من السماء ومعززة بالمعجزات وخوارق الأمور ، ويعرفون الشعائر والطقوس الدينية التي يعبدون اللّه من خلالها والتي تقربهم إليه ، فمجموع هذه الأسرار كالصلاة والصوم وأنواع العبادات الأخرى كانت سرّا